صابرينا ميرقان ( تعريب : هيثم الأمين )
115
حركة الإصلاح الشيعي
فكان هؤلاء يملكون تأثيرا أكيدا على الناس : من هنا كان التوازن بين الرؤساء الزمنيين والرؤساء الروحيين . وكان المرجع الأول في حال الخلاف ، رأس الأسرة « 175 » ؛ والمرجع الثاني الفقيه أو المجتهد . وكان على الزعيم أن ينفذ الحكم الصادر باعتباره مسؤولا وبمقتضى سلطته القهرية ، وذلك لأن الأحكام التحكيمية التي كان يطلقها الزعماء الروحيون للطوائف المنشقة عن الإسلام والتي كانت تعد « على هامش الشرع » ، لم يكن لها أي صفة تنفيذية ، كما يقول « ريمون أوزوكس » « 176 » . وكان المرجع الثالث والأخير الزعيم نفسه « 177 » . ولم يكن بعض الزعماء يتورع عن انتزاع سلطة القضاء لنفسه إن لم يكن في مقابله مجتهد راغب في ملء هذا الموقع . وهذا ما كان من أمر علي الأسعد الذي انتهز ضعف محمد بن مهدي مغنية وعدم رغبته في القضاء ليغتصب ما يعود له من سلطة . ويروي العالم بنفسه في مخطوطته جواهر الحكم ونفائس الكلم « 178 » هذه الرواية : استدعاه علي الأسعد إلى قلعة تبنين وأعلمه أن الباب العالي قد قرر أن يعين قاضيا لجبل عامل ، وقال له انه يريد أن تكون المفاوضات باسمه . فامتنع العالم عن قبول ذلك بحجة أنه لا يستطيع القيام بهذه المهمة . إلا أن علي الأسعد دفعه للقبول بها واعدا إياه بأن لا يحمّله أية مسؤولية . وقد أقام الزعيم العدل بالفعل في قلعته ، باسم الشيخ ، ولم يحضر الشيخ أية جلسة . . . إلا أن كبار المجتهدين ممن جاؤوا بعده قاموا بمهامهم على الوجه الأتم ، أكان ذلك في إقامة القضاء أم في الإرشاد الروحي . ويذكر بهجت والتميمي أن المتأولة يلجأون إلى المجتهدين في جميع قضاياهم « 179 » . وقد كان المؤمنون يأتمون بهم في صلاة الجماعة ويتبعون إرشاداتهم الدينية ويرسلون أولادهم للدراسة في مدارسهم . وإن كان من بينهم من يود الذهاب إلى مكة للحج ، فقد كان يسأل مجتهدا أن يرافقه ، وكان يدفع مصاريف الرحلة . وهكذا فقد كان عبد الله نعمة أو حسن يوسف مكي أو موسى شرارة ، يستأثرون بالرياسة الدينية في البلاد . وقد اعتبر حسن الصدر أنه كان بإمكان عبد الله نعمة لو بقي في النجف أن يصبح الزعيم الروحي لجميع الشيعة العرب « 180 » . وقد كان المؤمنون يطيعون كل أوامره حتى في الأمور البسيطة . فقد حرّم على الناس في النبطية أن يشتروا
--> ( 175 ) . إن مفهوم رأس الأسرة هنا يؤخذ بمعناه الأوسع أي رئيس بيت أو وحدة عائلية تضيق أو تتسع وتكوّن في الوقت نفسه جماعة من المستهلكين والمنتجبين . ( 176 ) . 411 . p , tadnam suos tnaveL ud stat ? E seL ( 177 ) . ولا نعد هنا المحاكم النظامية التي استحدثت سنة 1879 وكانت تبت في الجرائم والقضايا المدنية والتجارية . ( 178 ) . لم تنشر هذه المخطوطة لسوء الحظ ، إلا أن محسن الأمين استعملها مصدرا لأعيان الشيعة ، وهو يستشهد بمقاطع منها في بعض تراجمه ولا سيما في ترجمة مؤلف هذه المخطوطة نفسه ، إذ إنه كتب فيها سيرة حياته مختصرة . وقد ولد محمد بن مهدي مغنية سنة 1837 في طيردبا . ولا يذكر محسن الأمين تاريخ وفاته . أنظر الأعيان المجلد العاشر ص 68 - 69 . ( 179 ) . أنظر : ولاية بيروت ص 293 . ( 180 ) . أنظر : تكملة أمل الآمل ص 270 - 271 .